سيف القدس
03-05-2008, 12:47ِPM
لبنان إلى أين ؟
دماء مغنية والحريري لم تجف بعد
ثمة أحداث مريبة جرت وتجري الآن في لبنان، من شأنها أن تثير مخاوف جادة من أن أمراً خطيرا يجري إعداده خلال الأسابيع إن لم يكن الأيام القليلة القادمة، والشيء الذي قد لا يختلف عليه اثنان أن المستهدف الرئيس مما يحدث، هو محاولة القضاء على تنامي قدرات حزب الله العسكرية، من خلال إقحامه بمواجهات في الداخل اللبناني، تبعده ولو بقدر عن المواجهة الطبيعية مع العدو الإسرائيلي. فمن المعروف أن حزب الله بات يحتل المرتبة الأولى في سلم اهتمامات الأجندة الصهيوأمريكية في المنطقة، وأن القضاء عليه أصبح الآن الهدف الغائي الأول في تلك الأجندة.
بقلم : موسى راغب
ففي الداخل اللبناني وفي أقل من شهر، وقعت عدة أحداث تؤكد، أن الهدف الرئيس منها هو إشعال فتنة طائفية ومذهبية وعرقية، تؤدي في النهاية لقيام حرب أهلية. ومما يرجح هذا الاحتمال وقوف الموالاة والمعارضة في مواجهة عنيدة وخطيرة، حيال قضايا أساسية تمس استقرار لبنان وأمنه.
فالدولة ما زالت حتى اللحظة دون رئيس للجمهورية .. والمعارضة لا تنكر تعطيلها للبرلمان بدعوى مطالبتها بشراكة فاعلة في الحكم .. ومحاولات متكررة لتوريط المؤسسة العسكرية في خلافات الفريقين .. واتهامات خطيرة يتبادلانها يرقى بعضها لمستوى "التخوين" .. وتصريحات نارية تصدر عن قيادتيهما وجميعها تنطوي على تصعيد للموقف، وتهديد باستخدام السلاح ضد الآخر إذا اقتضى الأمر ..
وأمين عام الجامعة العربية يقوم بزيارات متكررة لجمع الفريقين دون جدوى .. وإطلاق نار كثيف على منازل إحدى القرى اللبنانية على سبيل الترهيب وإشاعة القلق بين السكان .. واستشهاد عدد من المدنيين في أحداث محيط كنيسة مار مخايل في الضاحية الجنوبية .. واتهامات للموالاة بأنها أصدرت أوامر لميلشياتها بأن تكون على أهبة الاستعداد عسكريا خلال إحيائها للذكرى الثالثة لاغتيال الشهيد رفيق الحريري .. وتحذيرات من استهداف عناصر تلك المليشيات للخيام التي أقامها حزب الله منذ أكثر من عام في قلب العاصمة بيروت.
لكن الأخطر من ذلك ما تردده قوى المعارضة عن انتقال مقر مركز العمليات التي تنفذها أجهزة الاستخبار الأمريكية في المنطقة من كابول بأفغانستان إلى بيروت، معتبرة أن المهمة المنوطة بهذا المكتب في الفترة القادمة، هي إثارة فتنة طائفية تستهدف ضرب حزب الله من الداخل اللبناني، بانتظار إشعال إسرائيل لحرب أخرى على حزب الله بهدف تدميره، والذي بات يمثل القضية الأولى بالنسبة لإسرائيل وأمريكا في المنطقة.
ثم تأتي تقارير تتهم السنيوره بالتآمر على حزب الله، وأنه شارك في عملية اغتيال رفيق الحريري، وذلك في الوقت الذي تتصاعد فيه حدة التصريحات العدائية بين الموالاة والمعارضة بشكل استفزازي غير مسبوق ..
وأخيراً وليس آخراً يأتي اغتيال الشهيد عماد مغنية رئيس الجناح العسكري لحزب الله في العاصمة السورية، ليضيف تساؤلاً أخطر حول الهدف من التصعيد الذي يصر عليه أطراف الموالاة في هذا الوقت بالذات، والذي يطال سوريا وإيران إلى جانب حزب الله وأمينه العام حسن نصر الله..
وانطلاقاً من حقيقة أن أمريكا وإسرائيل، عادة ما تكونا ضالعتين في معظم ما يقع من أحداث في المنطقة سواء في لبنان أو غيرها، يتساءل المرء عما تريده هاتان الدولتان للبنان وللمنطقة في هذا الوقت بالذات، وعما إذا كانتا وراء تلك الأحداث.
أهداف إسرائيل
1- ليس من شك أن القضاء على حزب الله أصبح الهدف الرئيس الآن لإسرائيل، بعد أن لاقت على يده هزيمة محققة في الحرب التي شنتها في أيلول الماضي عام 2006 على لبنان. ولعل انتصار حزب الله في تلك الحرب يشكل محور الإجابة على هذا التساؤل. ذلك أن خطورته تكمن – في نظر المراقبين - في انعكاساته السلبية على المخططات الصهيوأمريكية في المنطقة بعامة، وعلى مسألة الأمن الإسرائيلي بخاصة.
وليس بعيداً عن هذا السياق، يأتي تقرير فينوجراد ليؤكد التأثير المدمر الذي أصاب الروح المعنوية للإسرائيليين، سواء العسكريين منهم أو المدنيين، نتيجة فشل إسرائيل في تلك الحرب. ومرد هذه الخطورة، القول بأن ثمة ميليشيا شبة عسكرية، محدودة في إمكاناتها التسليحية وقدراتها القتالية وطاقاتها البشرية، استطاعت أن تلحق بجيش إسرائيل وسمعته هزيمة بائنة، وتوقع بأفراده وعتاده خسائر فادحة.
كما أبرز التقرير أوجه التقصير القاتلة التي تميزت بها أوامر القيادتين السياسية والعسكرية للجيش أثناء قيامة بالعمليات العسكرية ضد حزب الله، وبخاصة خلال الثلاثة الأيام الأخيرة من الحرب، حيث منيت إسرائيل فيها بخسائر فادحة وغير متوقعة، في الأفراد والدبابات وسائر المعدات.
وقد أظهر العديد من التحليلات والكتابات التي تناولت تلك الحرب، أن تفوق الجيش الإسرائيلي في التسليح والأفراد، لم يكن وحده قادراً على مواجهة مقاتلي حزب الله الذين كانوا يتسلحون بسلاح أمضى، وهو إيمانهم القوي بالقضية التي يحاربون من أجلها، بينما الجندي الإسرائيلي كان يفتقد لإيمان كهذا.
وهكذا يظل هدف إسرائيل في لبنان، "تدمير حزب الله ووقف تنامي قدراته القتالية المتسارعة (تكتيكياً على الأقل)".
2- فشل إسرائيل في القضاء على المقاومة التي أستأنفها الفلسطينيون بتفجيرهم لانتفاضة الأقصى أواخر عام 2000، والتي تحولت لمشروع بعيد المدى يستهدف تحرير الأرض من البحر إلى النهر .. دفع بالمؤسستين العسكرية والسياسية فيها إلى "اعتبار القضاء على المقاومة الفلسطينية في الأراضي المحتلة، هدفاً رئيساً" لا تقل أهميته عن هدفها في تدمير الخطر الجاثم على حدودها الشمالية، ونعني به حزب الله.
ومما يزيد من تخوف الإسرائيليين، أن الوسائل والآليات التي أخذت تتبعها فصائل المقاومة في التصدي للاحتلال، ما برحت تتبدل وتتحوَّر حتى أصبحت تتدخل بشكل مؤثر في إرباك الوضع السياسي والعسكري في الكيان العبري، وتصعِّد من الهاجس الأمني لدى مواطنيه.
فبرغم كل دروب الحصار القاسية التي فرضها هذا الكيان على الفلسطينيين في غزه والضفة، وبرغم التنسيق بين قوى الأمن التابعة للسلطة الفلسطينية في رام الله والجيش الإسرائيلي ضد عناصر فصائل المقاومة دون تمييز، غير أن كل الشواهد على الأرض تشير إلى أن الفلسطينيين - مقاتلين ومدنيين - ما زالوا يتمتعون بروح معنوية عالية، وبإرادة قوية على مواصلة النضال من أجل تحرير الأرض.
ويكفي لتأكيد ذلك ما قاله شارون عن أن الفلسطينيين قد "استأنفوا بانتفاضتهم الثانية عام 2000، حرب 48"، ما يعني أنهم يرفضون الاعتراف بالكيان العبري الذي قام على أنقاض قراهم ومدنهم وأراضيهم التي اغتصبتها العصابات الصهيونية ليقوم عليها ذلك الكيان.
ويأتي فشل الحصار الذي فرضته إسرائيل، وأمريكا، وقادة السلطة الفلسطينية الحاليين وأطراف أخرى على قطاع غزه، بهدف تأليب سكانه على حركة حماس التي سيطرت عليه منذ يونيو 2006 ، ليضيف تحسباً إسرائيليا مكثفاً من هاجس تنامي المقاومة الفلسطينية على حدود إسرائيل الجنوبية مع القطاع، وبصورة تماثل ما حدث ويحدث على حدودها الشمالية مع لبنان.
الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله
وهنا يتبدَّى هدف إسرائيلي آخر، وهو "القضاء على فصائل المقاومة الفلسطينية في قطاع غزه، وبخاصة حركتي حماس والجهاد الإسلامي".
أمريكياً
القضاء على ما يسمونه بمحور (إيران- سوريا- حزب الله- حركة حماس)
1- ليس من شك أن فشل الجيش الإسرائيلي في حربه الأخيرة على لبنان وحزب الله، أدى لانعكاسات سلبية على مخططات أمريكا في المنطقة. فقد تراجعت قضية البرنامج النووي الإيراني، لتحل محلها قضية تنامي قدرات حزب الله العسكرية كما ذكرنا، وتهديد ذلك لأمن إسرائيل ولمخططاتها الرامية لبقائها كأكبر قوة مهيمنة على المنطقة أولاً، ولمحاولاتها إجبار الفلسطينيين على قبول الأجندة الصهيوأمريكية لحل القضية الفلسطينية ثانياً.
لذلك فإن "القضاء على حزب الله والمقاومة الفلسطينية، وحرمان إيران من حيازة التكنولوجيا النووية، يصبح الهدف الرئيس لسياسة أمريكا في لبنان وفي المنطقة". وهذه تشكل مجمل الأخطار التي تهدد أمن الكيان العبري واستمرار وجوده.
2- لا جدال في أن انتصار حزب الله في حرب تموز الماضي، أربك خطط أمريكا الخاصة بمعالجة مظاهر الفشل الذي واجهته في حربها على العراق وأفغانستان، ومشروعات الهيمنة التي كانت تعدها لأقطار عربية وإسلامية أخرى كإيران والسودان والصومال واليمن الجنوبي، وحتى بعض الدول التي تعتبر حليفة لها.
وليس في هذا القول غرابة، ذلك أن العارف بأهداف الإدارة الأمريكية الحالية التي يسيطر عليها المحافظون الجدد، يدرك أن لا شيء يمنع هؤلاء من تنفيذ مخططاتهم الإجرامية ضد الإسلام والعرب والمسلمين، سوى شعورهم بتهديد جاد وخطير من الداخل الأمريكي، أو من ظهور قوى إقليمية أو عالمية تتصدى لمخططاتهم، ليس في البلدان العربية والإسلامية فحسب، وإنما في جميع بلدان العالم المتقدمة منها والنامية.
وبهذا المعنى يصبح "القضاء على كل ما يمت للثقافة الإسلامية بصله، هو هدف أساس لما تخطط له أمريكا في لبنان والمنطقة".
3- الفشل الذي منيت به إدارة بوش في العراق وأفغانستان، وأمواج الكراهية العاتية التي تواجه الأمريكيين من جميع شعوب العالم بما في ذلك حلفائهم، وتعرض الاقتصاد الأمريكي لمخاطر الوقوع في ركود مروع، كالذي حدث في الثلاثينات من القرن الماضي نتيجة السياسة الخارجية التي اتبعها المحافظون الجدد، والتي تستهدف السيطرة على العالم، واجتياح البلدان التي يقبع في باطنها أكبر قدر من احتياط النفط في العالم .. نقول: كل ذلك جعل من "تحقيق أي انتصار يعين المحافظين الجدد والحزب الجمهوري في الفوز بالانتخابات الرئاسية القادمة"، هدفاً رئيساً من أهداف أمريكا في المنطقة، بما في ذلك لبنان.
4- يدرك الأمريكيون والإسرائيليون، أن بقاء حزب الله ومنظمات المقاومة في المنطقة (وبخاصة الإسلامية منها) وتنامي قدراتها العسكرية، سيؤدي في النهاية لتقليص قدرات إسرائيل العسكرية في المنطقة، وينهي أسطورة تفوقها على الجيوش العربية مجتمعة، وبالتالي سيرفع عنها رداء غطرسة القوة الذي طالما هددت به وما زالت الأنظمة العربية الرسمية. وهكذا نرى أن "حرص أمريكا على بقاء التفوق العسكري النوعي لإسرائيل على الدول العربية مجتمعة، يُعدُّ من الثوابت الرئيسة في استراتيجيتها في المنطقة"، من منظور أن الكيان العبري – بحسب الأمريكيين - هو الحليف الطبيعي والقوي في المنطقة.
5- ليس من شك، أن أكثر ما يشغل الإدارة الأمريكية الحالية هو ترميم موقفها حيال الفشل الذريع الذي منيت به في كل من العراق وأفغانستان. فما جرى ويجري الآن في العراق، هو على النقيض تماما من صورة المجتمع المثالي الذي وعد به الأمريكيون المنطقة، والذي يصبح العراق بموجبه أنموذجاً للدولة الديمقراطية التعددية التي تحترم الآخر، وتحافظ على حقوق الإنسان، وتستثمر ثرواتها في تنمية مواردها البشرية والطبيعية بصورة مثالية ، كما تستطيع العيش مع جيرانها في أمن وسلام، بعيداً عن النعرات الطائفية والمذهبية والعرقية.
لكن ما حدث كان وما زال، هو على النقيض من كل ذلك. فما برح الدم العراقي يسيل بغزارة، وما زالت الخدمات تتناقص يوما بعد يوم، ولا تلبي الحد الأدنى من حاجات المواطنين. والأخطر من ذلك أن الفتنة الطائفية قد طفت بقوة على السطح، وذاق العراقيون مرارتها بقدر مروِّع. فقد بلغ عدد المهجرين منهم أكثر من أربعة ملايين، ومن قتل منهم على يد الأمريكيين يزيد عن المليون شهيد، كما أن خطر تفتت العراق لدويلات أو مناطق أصبح قاب قوسين أو أدني، ولا يمنع من تقسيمه سوى تحسب الأمريكيين من أن ينقلب السحر على الساحر، إذا ما تركوا الأمور تتسارع في هذا الاتجاه.
أما في أفغانستان، فقد أصبح انفراط عقد التحالف مسألة وقت، حيث زادت وطأة العمليات التي تقوم بها المقاومة الأفغانية ضد جنود التحالف، ما دعا الأمريكيين للطلب من حلفائهم إرسال المزيد من الجنود لمجابهة تصاعد الهجمات التي تشنها قوات طالبان عليهم، لكن هذا الطلب قوبل من الحلفاء بالرفض.
لذلك فإن "ضرورة حدوث انفراج في الوضع على الحدود الشمالية والجنوبية لإسرائيل، والوصول إلى أي نوع من التوافق بين أطراف الصراع الفلسطيني الإسرائيلي"، بات يمثل - في نظر الأمريكيين - هدفا ملحاً ، يعتقدون أنه سيعينهم – إذا ما تحقق - في الخروج من المأزق الذي يعيشونه في العراق وأفغانستان، والناتج عن فشلهم المحقق (اليوم أو غداً) في بلوغ أهدافهم القذرة من غزوهم لهذين البلدين، تحت ستار الحرب على الإرهاب.
في ضوء تلك الأهداف الصهيوأمريكية، تبرز عدة مخاوف هي غاية في الخطورة، ولا بد للأطراف المتصارعة في لبنان أن تتنبَّه لها جيداً، من أهمها وأخطرها أن تعمل أمريكا وإسرائيل وحلفاؤهم الأوروبيون والإقليميون على تصعيد المواجهة بين أنصار الموالاة والمعارضة، بحيث يصلا إلى نقطة اللاعودة. ثم يُنزَعُ الأمر من أيديهما لينزلق لبنان في فتنة قد تؤدي لحرب أهلية، يكون الفريقان ولبنان فيها الخاسر الأكبر، وتتحقق لإسرائيل أمنية التخلص من حزب الله وتهديداته من ناحية، وسهولة الإجهاز على المقاومة الفلسطينية بسبب فقدانها لحليفها القوي حزب الله من ناحية أخرى.
وبذلك يكون الحلف الصهيوأمريكي قد رمى ثلاثة عصافير بحجر واحد، الأول تدمير حزب الله والتفرد بالمقاومة الفلسطينية وبخاصة في غزه، والثاني إتاحة الفرصة لإشاعة المزيد من مشاعر الإحباط لدى الشارع العربي والإسلامي الذي بات يشكل الآن عنصراً حياً في دعم فصائل المقاومة العربية (بمختلف انتماءاتها واتجاهاتها السياسية والعقائدية) ضد الاحتلال الإسرائيلي والأمريكي للأراضي العربية، والثالث تفرغ هذا الحلف للانقضاض على سوريا وإيران بعد أن تجرََّدا من أهم خط دفاع لهما في المنطقة، وهو حزب الله والمقاومة الفلسطينية.
وأبلغ دليل على ذلك ما حدث يوم الرابع عشر من فبراير الجاري في ساحتي الشهداء والضاحية الجنوبية، حيث بات الفريقان وكأنهما في مواجهة عداء مستحكم بينهما.
وللحق نقول: إن فريق الموالاة الذي يتزعمه سعد الحريري، ووليد جنبلاط، وسمير جعجع، والسنيوره، قد مارس في الآونة الأخيرة تصعيداً للموقف أقل ما يوصف به، أنه كان مغلفاً بصلف لا مبرر له، حيث وجهوا سباباً وشتائم لاذعة، ووزعوا اتهامات جائرة ليس للمعارضة فحسب، وإنما للنظام في سوريا.
لبنان بلد لا يعرف إلا القلاقل
كما استخدم وليد جنبلاط وجعجع بالذات ألفاظاً أقل ما توصف به أنها "نابية" وغير لائقة أخلاقياً، ولا يجوز استخدامها في الحديث عن الأخوة مهما بلغت الخلافات بينهم، وبخاصة في ظروف استثنائية كالتي يمر بها لبنان الآن، والتي تصادف أن استشهد خلالها القائد العسكري لحزب الله عماد مغنية.
وفي المقابل، لم نسمع كلمات نابية مماثلة من المعارضة بحق أي من قادة فريق الموالاة، بل وجهت جل شحنات غضبها لإسرائيل التي تعتبر بحق أساس البلاء في لبنان والمنطقة بأسرها.
والواقع أنه برغم مما يحيط موقف الموالاة من الشبهات بحسب مواقف قادتها المعلنة، وأسلوبهم المستفز والبغيض الذي يستخدمونه (عن قصد ودون مبرر) في التعبير عن آرائهم، فليس من القيم الأخلاقية والأعراف الاجتماعية السائدة في مجتمعاتنا العربية والإسلامية، الحكم عليهم بمثل ما يرمون به زعماء المعارضة.
وحتى لو افترضنا أنهم لا يدركون خطورة الموقف في لبنان والمنطقة على النحو الصحيح، لكن ثمة شواهد واضحة أمامهم تدل على أن إسرائيل مقدمة على عمل واسع النطاق ضد حزب الله والمقاومة الفلسطينية في غزه، الأمر الذي يضع بلداناً عربية مثل سوريا في مرمى تهديداتها، كما سيساعد أمريكا في تحقيق أهدافها في السيطرة على العراق والإجهاز على المقاومة الشريفة فيه.
وهذا – في حد ذاته – ما كان ينبغي على زعماء الموالاة أن يأخذونه في الحسبان حين يتعاملون مع شركائهم في الوطن، حتى يبقى الطريق مفتوحاً للجميع كي يصلوا لنقطة التقاء، يجمعون عليها للصالح اللبناني والعربي.
والغريب أن أي مواطن عربي أيا كانت تابعيته، وحتى لو كان حليفاً ظاهراً أو خفياً لأعداء الأمة، يدرك تماما أن هدف أمريكا وإسرائيل في لبنان والمنطقة كلها، هو إثارة الفتنة من أي نوع وبأي حجم، على قاعدة "فرق تسد"، حتى تتمكنا من الهيمنة على المنطقة والاستيلاء على احتياط النفط فيها، وتأمين وجود إسرائيل كعضو دائم فيها.
وهذا يتطلب منهما بالطبع القضاء على الأخطار التي تهدد مخططاتهما في المنطقة، وعلى رأسها استمرار وجود حزب الله في جنوب لبنان وتنامي قدراته العسكرية وتهديده لأمن إسرائيل من ناحية، وكذلك تنامي قدرات المقاومة الفلسطينية المسلحة في الأراضي المحتلة، ومحاولتها إحياء الثوابت الفلسطينية التي تدعو لاستعادة الحقوق المسروقة وتحرير الأرض من البحر إلى النهر من ناحية أخرى.
وإذا كنا لا نميل الآن للسير في ركاب من يوزعون الاتهامات شمالاً ويميناً على هذا الفريق أو ذاك، فإن من الإنصاف القول بأن أهداف قادة الموالاة في لبنان، تتوافق – على ما يبدو - مع أهداف أمريكا وإسرائيل في القضاء على قدرات حزب الله العسكرية وتدمير بناه التحتية. غير أن هذا القول، وإن ظل حتى الآن في إطار "الظن"، لا بد أن يظهر يوما في مرآة الحقيقة عارياً، إذا ما أصرت الموالاة على عدم التوافق مع المعارضة لصالح الوحدة الوطنية.
وإذا ما أخذنا في الاعتبار عروبة لبنان، وحق أبنائه (أيا كانت مللهم ونحلهم) في مقاومة الاحتلال العبري لأراضيهم، وأن حزب الله هو فصيل من فصائل المقاومة تلك، وأن سوريا بخاصة والوطن العربي بعامة هو العمق الاستراتيجي للبنان، وأن الديمقراطية التي تتميز بالتعددية والشفافية والتسامح هو الطريق الأمثل والوحيد للتعايش السلمي بين طوائف لبنان وأعراقه .. فإن أي خروج على هذه الثوابت، يصبح أمراً مشكوكاً في مبرراته.
دماء مغنية والحريري لم تجف بعد
ثمة أحداث مريبة جرت وتجري الآن في لبنان، من شأنها أن تثير مخاوف جادة من أن أمراً خطيرا يجري إعداده خلال الأسابيع إن لم يكن الأيام القليلة القادمة، والشيء الذي قد لا يختلف عليه اثنان أن المستهدف الرئيس مما يحدث، هو محاولة القضاء على تنامي قدرات حزب الله العسكرية، من خلال إقحامه بمواجهات في الداخل اللبناني، تبعده ولو بقدر عن المواجهة الطبيعية مع العدو الإسرائيلي. فمن المعروف أن حزب الله بات يحتل المرتبة الأولى في سلم اهتمامات الأجندة الصهيوأمريكية في المنطقة، وأن القضاء عليه أصبح الآن الهدف الغائي الأول في تلك الأجندة.
بقلم : موسى راغب
ففي الداخل اللبناني وفي أقل من شهر، وقعت عدة أحداث تؤكد، أن الهدف الرئيس منها هو إشعال فتنة طائفية ومذهبية وعرقية، تؤدي في النهاية لقيام حرب أهلية. ومما يرجح هذا الاحتمال وقوف الموالاة والمعارضة في مواجهة عنيدة وخطيرة، حيال قضايا أساسية تمس استقرار لبنان وأمنه.
فالدولة ما زالت حتى اللحظة دون رئيس للجمهورية .. والمعارضة لا تنكر تعطيلها للبرلمان بدعوى مطالبتها بشراكة فاعلة في الحكم .. ومحاولات متكررة لتوريط المؤسسة العسكرية في خلافات الفريقين .. واتهامات خطيرة يتبادلانها يرقى بعضها لمستوى "التخوين" .. وتصريحات نارية تصدر عن قيادتيهما وجميعها تنطوي على تصعيد للموقف، وتهديد باستخدام السلاح ضد الآخر إذا اقتضى الأمر ..
وأمين عام الجامعة العربية يقوم بزيارات متكررة لجمع الفريقين دون جدوى .. وإطلاق نار كثيف على منازل إحدى القرى اللبنانية على سبيل الترهيب وإشاعة القلق بين السكان .. واستشهاد عدد من المدنيين في أحداث محيط كنيسة مار مخايل في الضاحية الجنوبية .. واتهامات للموالاة بأنها أصدرت أوامر لميلشياتها بأن تكون على أهبة الاستعداد عسكريا خلال إحيائها للذكرى الثالثة لاغتيال الشهيد رفيق الحريري .. وتحذيرات من استهداف عناصر تلك المليشيات للخيام التي أقامها حزب الله منذ أكثر من عام في قلب العاصمة بيروت.
لكن الأخطر من ذلك ما تردده قوى المعارضة عن انتقال مقر مركز العمليات التي تنفذها أجهزة الاستخبار الأمريكية في المنطقة من كابول بأفغانستان إلى بيروت، معتبرة أن المهمة المنوطة بهذا المكتب في الفترة القادمة، هي إثارة فتنة طائفية تستهدف ضرب حزب الله من الداخل اللبناني، بانتظار إشعال إسرائيل لحرب أخرى على حزب الله بهدف تدميره، والذي بات يمثل القضية الأولى بالنسبة لإسرائيل وأمريكا في المنطقة.
ثم تأتي تقارير تتهم السنيوره بالتآمر على حزب الله، وأنه شارك في عملية اغتيال رفيق الحريري، وذلك في الوقت الذي تتصاعد فيه حدة التصريحات العدائية بين الموالاة والمعارضة بشكل استفزازي غير مسبوق ..
وأخيراً وليس آخراً يأتي اغتيال الشهيد عماد مغنية رئيس الجناح العسكري لحزب الله في العاصمة السورية، ليضيف تساؤلاً أخطر حول الهدف من التصعيد الذي يصر عليه أطراف الموالاة في هذا الوقت بالذات، والذي يطال سوريا وإيران إلى جانب حزب الله وأمينه العام حسن نصر الله..
وانطلاقاً من حقيقة أن أمريكا وإسرائيل، عادة ما تكونا ضالعتين في معظم ما يقع من أحداث في المنطقة سواء في لبنان أو غيرها، يتساءل المرء عما تريده هاتان الدولتان للبنان وللمنطقة في هذا الوقت بالذات، وعما إذا كانتا وراء تلك الأحداث.
أهداف إسرائيل
1- ليس من شك أن القضاء على حزب الله أصبح الهدف الرئيس الآن لإسرائيل، بعد أن لاقت على يده هزيمة محققة في الحرب التي شنتها في أيلول الماضي عام 2006 على لبنان. ولعل انتصار حزب الله في تلك الحرب يشكل محور الإجابة على هذا التساؤل. ذلك أن خطورته تكمن – في نظر المراقبين - في انعكاساته السلبية على المخططات الصهيوأمريكية في المنطقة بعامة، وعلى مسألة الأمن الإسرائيلي بخاصة.
وليس بعيداً عن هذا السياق، يأتي تقرير فينوجراد ليؤكد التأثير المدمر الذي أصاب الروح المعنوية للإسرائيليين، سواء العسكريين منهم أو المدنيين، نتيجة فشل إسرائيل في تلك الحرب. ومرد هذه الخطورة، القول بأن ثمة ميليشيا شبة عسكرية، محدودة في إمكاناتها التسليحية وقدراتها القتالية وطاقاتها البشرية، استطاعت أن تلحق بجيش إسرائيل وسمعته هزيمة بائنة، وتوقع بأفراده وعتاده خسائر فادحة.
كما أبرز التقرير أوجه التقصير القاتلة التي تميزت بها أوامر القيادتين السياسية والعسكرية للجيش أثناء قيامة بالعمليات العسكرية ضد حزب الله، وبخاصة خلال الثلاثة الأيام الأخيرة من الحرب، حيث منيت إسرائيل فيها بخسائر فادحة وغير متوقعة، في الأفراد والدبابات وسائر المعدات.
وقد أظهر العديد من التحليلات والكتابات التي تناولت تلك الحرب، أن تفوق الجيش الإسرائيلي في التسليح والأفراد، لم يكن وحده قادراً على مواجهة مقاتلي حزب الله الذين كانوا يتسلحون بسلاح أمضى، وهو إيمانهم القوي بالقضية التي يحاربون من أجلها، بينما الجندي الإسرائيلي كان يفتقد لإيمان كهذا.
وهكذا يظل هدف إسرائيل في لبنان، "تدمير حزب الله ووقف تنامي قدراته القتالية المتسارعة (تكتيكياً على الأقل)".
2- فشل إسرائيل في القضاء على المقاومة التي أستأنفها الفلسطينيون بتفجيرهم لانتفاضة الأقصى أواخر عام 2000، والتي تحولت لمشروع بعيد المدى يستهدف تحرير الأرض من البحر إلى النهر .. دفع بالمؤسستين العسكرية والسياسية فيها إلى "اعتبار القضاء على المقاومة الفلسطينية في الأراضي المحتلة، هدفاً رئيساً" لا تقل أهميته عن هدفها في تدمير الخطر الجاثم على حدودها الشمالية، ونعني به حزب الله.
ومما يزيد من تخوف الإسرائيليين، أن الوسائل والآليات التي أخذت تتبعها فصائل المقاومة في التصدي للاحتلال، ما برحت تتبدل وتتحوَّر حتى أصبحت تتدخل بشكل مؤثر في إرباك الوضع السياسي والعسكري في الكيان العبري، وتصعِّد من الهاجس الأمني لدى مواطنيه.
فبرغم كل دروب الحصار القاسية التي فرضها هذا الكيان على الفلسطينيين في غزه والضفة، وبرغم التنسيق بين قوى الأمن التابعة للسلطة الفلسطينية في رام الله والجيش الإسرائيلي ضد عناصر فصائل المقاومة دون تمييز، غير أن كل الشواهد على الأرض تشير إلى أن الفلسطينيين - مقاتلين ومدنيين - ما زالوا يتمتعون بروح معنوية عالية، وبإرادة قوية على مواصلة النضال من أجل تحرير الأرض.
ويكفي لتأكيد ذلك ما قاله شارون عن أن الفلسطينيين قد "استأنفوا بانتفاضتهم الثانية عام 2000، حرب 48"، ما يعني أنهم يرفضون الاعتراف بالكيان العبري الذي قام على أنقاض قراهم ومدنهم وأراضيهم التي اغتصبتها العصابات الصهيونية ليقوم عليها ذلك الكيان.
ويأتي فشل الحصار الذي فرضته إسرائيل، وأمريكا، وقادة السلطة الفلسطينية الحاليين وأطراف أخرى على قطاع غزه، بهدف تأليب سكانه على حركة حماس التي سيطرت عليه منذ يونيو 2006 ، ليضيف تحسباً إسرائيليا مكثفاً من هاجس تنامي المقاومة الفلسطينية على حدود إسرائيل الجنوبية مع القطاع، وبصورة تماثل ما حدث ويحدث على حدودها الشمالية مع لبنان.
الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله
وهنا يتبدَّى هدف إسرائيلي آخر، وهو "القضاء على فصائل المقاومة الفلسطينية في قطاع غزه، وبخاصة حركتي حماس والجهاد الإسلامي".
أمريكياً
القضاء على ما يسمونه بمحور (إيران- سوريا- حزب الله- حركة حماس)
1- ليس من شك أن فشل الجيش الإسرائيلي في حربه الأخيرة على لبنان وحزب الله، أدى لانعكاسات سلبية على مخططات أمريكا في المنطقة. فقد تراجعت قضية البرنامج النووي الإيراني، لتحل محلها قضية تنامي قدرات حزب الله العسكرية كما ذكرنا، وتهديد ذلك لأمن إسرائيل ولمخططاتها الرامية لبقائها كأكبر قوة مهيمنة على المنطقة أولاً، ولمحاولاتها إجبار الفلسطينيين على قبول الأجندة الصهيوأمريكية لحل القضية الفلسطينية ثانياً.
لذلك فإن "القضاء على حزب الله والمقاومة الفلسطينية، وحرمان إيران من حيازة التكنولوجيا النووية، يصبح الهدف الرئيس لسياسة أمريكا في لبنان وفي المنطقة". وهذه تشكل مجمل الأخطار التي تهدد أمن الكيان العبري واستمرار وجوده.
2- لا جدال في أن انتصار حزب الله في حرب تموز الماضي، أربك خطط أمريكا الخاصة بمعالجة مظاهر الفشل الذي واجهته في حربها على العراق وأفغانستان، ومشروعات الهيمنة التي كانت تعدها لأقطار عربية وإسلامية أخرى كإيران والسودان والصومال واليمن الجنوبي، وحتى بعض الدول التي تعتبر حليفة لها.
وليس في هذا القول غرابة، ذلك أن العارف بأهداف الإدارة الأمريكية الحالية التي يسيطر عليها المحافظون الجدد، يدرك أن لا شيء يمنع هؤلاء من تنفيذ مخططاتهم الإجرامية ضد الإسلام والعرب والمسلمين، سوى شعورهم بتهديد جاد وخطير من الداخل الأمريكي، أو من ظهور قوى إقليمية أو عالمية تتصدى لمخططاتهم، ليس في البلدان العربية والإسلامية فحسب، وإنما في جميع بلدان العالم المتقدمة منها والنامية.
وبهذا المعنى يصبح "القضاء على كل ما يمت للثقافة الإسلامية بصله، هو هدف أساس لما تخطط له أمريكا في لبنان والمنطقة".
3- الفشل الذي منيت به إدارة بوش في العراق وأفغانستان، وأمواج الكراهية العاتية التي تواجه الأمريكيين من جميع شعوب العالم بما في ذلك حلفائهم، وتعرض الاقتصاد الأمريكي لمخاطر الوقوع في ركود مروع، كالذي حدث في الثلاثينات من القرن الماضي نتيجة السياسة الخارجية التي اتبعها المحافظون الجدد، والتي تستهدف السيطرة على العالم، واجتياح البلدان التي يقبع في باطنها أكبر قدر من احتياط النفط في العالم .. نقول: كل ذلك جعل من "تحقيق أي انتصار يعين المحافظين الجدد والحزب الجمهوري في الفوز بالانتخابات الرئاسية القادمة"، هدفاً رئيساً من أهداف أمريكا في المنطقة، بما في ذلك لبنان.
4- يدرك الأمريكيون والإسرائيليون، أن بقاء حزب الله ومنظمات المقاومة في المنطقة (وبخاصة الإسلامية منها) وتنامي قدراتها العسكرية، سيؤدي في النهاية لتقليص قدرات إسرائيل العسكرية في المنطقة، وينهي أسطورة تفوقها على الجيوش العربية مجتمعة، وبالتالي سيرفع عنها رداء غطرسة القوة الذي طالما هددت به وما زالت الأنظمة العربية الرسمية. وهكذا نرى أن "حرص أمريكا على بقاء التفوق العسكري النوعي لإسرائيل على الدول العربية مجتمعة، يُعدُّ من الثوابت الرئيسة في استراتيجيتها في المنطقة"، من منظور أن الكيان العبري – بحسب الأمريكيين - هو الحليف الطبيعي والقوي في المنطقة.
5- ليس من شك، أن أكثر ما يشغل الإدارة الأمريكية الحالية هو ترميم موقفها حيال الفشل الذريع الذي منيت به في كل من العراق وأفغانستان. فما جرى ويجري الآن في العراق، هو على النقيض تماما من صورة المجتمع المثالي الذي وعد به الأمريكيون المنطقة، والذي يصبح العراق بموجبه أنموذجاً للدولة الديمقراطية التعددية التي تحترم الآخر، وتحافظ على حقوق الإنسان، وتستثمر ثرواتها في تنمية مواردها البشرية والطبيعية بصورة مثالية ، كما تستطيع العيش مع جيرانها في أمن وسلام، بعيداً عن النعرات الطائفية والمذهبية والعرقية.
لكن ما حدث كان وما زال، هو على النقيض من كل ذلك. فما برح الدم العراقي يسيل بغزارة، وما زالت الخدمات تتناقص يوما بعد يوم، ولا تلبي الحد الأدنى من حاجات المواطنين. والأخطر من ذلك أن الفتنة الطائفية قد طفت بقوة على السطح، وذاق العراقيون مرارتها بقدر مروِّع. فقد بلغ عدد المهجرين منهم أكثر من أربعة ملايين، ومن قتل منهم على يد الأمريكيين يزيد عن المليون شهيد، كما أن خطر تفتت العراق لدويلات أو مناطق أصبح قاب قوسين أو أدني، ولا يمنع من تقسيمه سوى تحسب الأمريكيين من أن ينقلب السحر على الساحر، إذا ما تركوا الأمور تتسارع في هذا الاتجاه.
أما في أفغانستان، فقد أصبح انفراط عقد التحالف مسألة وقت، حيث زادت وطأة العمليات التي تقوم بها المقاومة الأفغانية ضد جنود التحالف، ما دعا الأمريكيين للطلب من حلفائهم إرسال المزيد من الجنود لمجابهة تصاعد الهجمات التي تشنها قوات طالبان عليهم، لكن هذا الطلب قوبل من الحلفاء بالرفض.
لذلك فإن "ضرورة حدوث انفراج في الوضع على الحدود الشمالية والجنوبية لإسرائيل، والوصول إلى أي نوع من التوافق بين أطراف الصراع الفلسطيني الإسرائيلي"، بات يمثل - في نظر الأمريكيين - هدفا ملحاً ، يعتقدون أنه سيعينهم – إذا ما تحقق - في الخروج من المأزق الذي يعيشونه في العراق وأفغانستان، والناتج عن فشلهم المحقق (اليوم أو غداً) في بلوغ أهدافهم القذرة من غزوهم لهذين البلدين، تحت ستار الحرب على الإرهاب.
في ضوء تلك الأهداف الصهيوأمريكية، تبرز عدة مخاوف هي غاية في الخطورة، ولا بد للأطراف المتصارعة في لبنان أن تتنبَّه لها جيداً، من أهمها وأخطرها أن تعمل أمريكا وإسرائيل وحلفاؤهم الأوروبيون والإقليميون على تصعيد المواجهة بين أنصار الموالاة والمعارضة، بحيث يصلا إلى نقطة اللاعودة. ثم يُنزَعُ الأمر من أيديهما لينزلق لبنان في فتنة قد تؤدي لحرب أهلية، يكون الفريقان ولبنان فيها الخاسر الأكبر، وتتحقق لإسرائيل أمنية التخلص من حزب الله وتهديداته من ناحية، وسهولة الإجهاز على المقاومة الفلسطينية بسبب فقدانها لحليفها القوي حزب الله من ناحية أخرى.
وبذلك يكون الحلف الصهيوأمريكي قد رمى ثلاثة عصافير بحجر واحد، الأول تدمير حزب الله والتفرد بالمقاومة الفلسطينية وبخاصة في غزه، والثاني إتاحة الفرصة لإشاعة المزيد من مشاعر الإحباط لدى الشارع العربي والإسلامي الذي بات يشكل الآن عنصراً حياً في دعم فصائل المقاومة العربية (بمختلف انتماءاتها واتجاهاتها السياسية والعقائدية) ضد الاحتلال الإسرائيلي والأمريكي للأراضي العربية، والثالث تفرغ هذا الحلف للانقضاض على سوريا وإيران بعد أن تجرََّدا من أهم خط دفاع لهما في المنطقة، وهو حزب الله والمقاومة الفلسطينية.
وأبلغ دليل على ذلك ما حدث يوم الرابع عشر من فبراير الجاري في ساحتي الشهداء والضاحية الجنوبية، حيث بات الفريقان وكأنهما في مواجهة عداء مستحكم بينهما.
وللحق نقول: إن فريق الموالاة الذي يتزعمه سعد الحريري، ووليد جنبلاط، وسمير جعجع، والسنيوره، قد مارس في الآونة الأخيرة تصعيداً للموقف أقل ما يوصف به، أنه كان مغلفاً بصلف لا مبرر له، حيث وجهوا سباباً وشتائم لاذعة، ووزعوا اتهامات جائرة ليس للمعارضة فحسب، وإنما للنظام في سوريا.
لبنان بلد لا يعرف إلا القلاقل
كما استخدم وليد جنبلاط وجعجع بالذات ألفاظاً أقل ما توصف به أنها "نابية" وغير لائقة أخلاقياً، ولا يجوز استخدامها في الحديث عن الأخوة مهما بلغت الخلافات بينهم، وبخاصة في ظروف استثنائية كالتي يمر بها لبنان الآن، والتي تصادف أن استشهد خلالها القائد العسكري لحزب الله عماد مغنية.
وفي المقابل، لم نسمع كلمات نابية مماثلة من المعارضة بحق أي من قادة فريق الموالاة، بل وجهت جل شحنات غضبها لإسرائيل التي تعتبر بحق أساس البلاء في لبنان والمنطقة بأسرها.
والواقع أنه برغم مما يحيط موقف الموالاة من الشبهات بحسب مواقف قادتها المعلنة، وأسلوبهم المستفز والبغيض الذي يستخدمونه (عن قصد ودون مبرر) في التعبير عن آرائهم، فليس من القيم الأخلاقية والأعراف الاجتماعية السائدة في مجتمعاتنا العربية والإسلامية، الحكم عليهم بمثل ما يرمون به زعماء المعارضة.
وحتى لو افترضنا أنهم لا يدركون خطورة الموقف في لبنان والمنطقة على النحو الصحيح، لكن ثمة شواهد واضحة أمامهم تدل على أن إسرائيل مقدمة على عمل واسع النطاق ضد حزب الله والمقاومة الفلسطينية في غزه، الأمر الذي يضع بلداناً عربية مثل سوريا في مرمى تهديداتها، كما سيساعد أمريكا في تحقيق أهدافها في السيطرة على العراق والإجهاز على المقاومة الشريفة فيه.
وهذا – في حد ذاته – ما كان ينبغي على زعماء الموالاة أن يأخذونه في الحسبان حين يتعاملون مع شركائهم في الوطن، حتى يبقى الطريق مفتوحاً للجميع كي يصلوا لنقطة التقاء، يجمعون عليها للصالح اللبناني والعربي.
والغريب أن أي مواطن عربي أيا كانت تابعيته، وحتى لو كان حليفاً ظاهراً أو خفياً لأعداء الأمة، يدرك تماما أن هدف أمريكا وإسرائيل في لبنان والمنطقة كلها، هو إثارة الفتنة من أي نوع وبأي حجم، على قاعدة "فرق تسد"، حتى تتمكنا من الهيمنة على المنطقة والاستيلاء على احتياط النفط فيها، وتأمين وجود إسرائيل كعضو دائم فيها.
وهذا يتطلب منهما بالطبع القضاء على الأخطار التي تهدد مخططاتهما في المنطقة، وعلى رأسها استمرار وجود حزب الله في جنوب لبنان وتنامي قدراته العسكرية وتهديده لأمن إسرائيل من ناحية، وكذلك تنامي قدرات المقاومة الفلسطينية المسلحة في الأراضي المحتلة، ومحاولتها إحياء الثوابت الفلسطينية التي تدعو لاستعادة الحقوق المسروقة وتحرير الأرض من البحر إلى النهر من ناحية أخرى.
وإذا كنا لا نميل الآن للسير في ركاب من يوزعون الاتهامات شمالاً ويميناً على هذا الفريق أو ذاك، فإن من الإنصاف القول بأن أهداف قادة الموالاة في لبنان، تتوافق – على ما يبدو - مع أهداف أمريكا وإسرائيل في القضاء على قدرات حزب الله العسكرية وتدمير بناه التحتية. غير أن هذا القول، وإن ظل حتى الآن في إطار "الظن"، لا بد أن يظهر يوما في مرآة الحقيقة عارياً، إذا ما أصرت الموالاة على عدم التوافق مع المعارضة لصالح الوحدة الوطنية.
وإذا ما أخذنا في الاعتبار عروبة لبنان، وحق أبنائه (أيا كانت مللهم ونحلهم) في مقاومة الاحتلال العبري لأراضيهم، وأن حزب الله هو فصيل من فصائل المقاومة تلك، وأن سوريا بخاصة والوطن العربي بعامة هو العمق الاستراتيجي للبنان، وأن الديمقراطية التي تتميز بالتعددية والشفافية والتسامح هو الطريق الأمثل والوحيد للتعايش السلمي بين طوائف لبنان وأعراقه .. فإن أي خروج على هذه الثوابت، يصبح أمراً مشكوكاً في مبرراته.