petite fleure
22-10-2007, 17:51ِPM
Francophonie et Monde Arabe
إن أي تفكير بشأن موقع لغة أجنبية معينة (اللغة الفرنسية هنا) في بلد معين لا يمكنه إغفال العناصر التالية :
وضعها الاجتماعي والنفسي اللغوي : (وظائف هذه اللغة واستعمالها في الواقع، كيفية تصورها من قبل مستعمليها، واتصالها باللغات القائمة حولها وعلاقاتها باللغة العربية خصوصاً داخل إطار لا تتسم فيه دائماً هذه العلاقات بالتكامل وبالانسجام) .
وضعها التربوي : (حضورها باعتبارها لغة مدَّرسة أو لغة للتدريس والوظائف المنوطة بهذه اللغة والتي تسعى إليها المؤسسة المدرسية أو الجامعية).
وضعها الثقافي : (الأهداف المتوخاة من خلال تعلمها ومدى تفاعل مستعمليها مع المحيط الثقافي لهذه اللغة).
إن هدفنا في هذا المقام ليس مجرد تقديم لمحة عن تعليم اللغة الفرنسية داخل محيط عربي (ويمكن أن تساهم الأبحاث أو الدراسات الموجزة المتوفرة في إغناء هذه اللمحة)، بل وهدفنا يتعدى ذلك للتساؤل عن موقع اللغة الفرنسية في بلدان المغرب العربي (تونس نموذجا) وعن واقع جديد تولد عن تطور ملازم لوضع اللغة الفرنسية ولوضع اللغة العربية أيضاً.
ونحن نبدي هذه الملاحظات من منظور يستشرف الوسائل الكفيلة بدعم فرنكفونية مثرية وخلاقة ومتكاملة مع الثقافة المحلية. وفضلاً عن استعمالات اللغة الفرنسية لأغراض وظيفية مرتبطة باحتياجات تواصلية ومؤسساتية ومدرسية، تشكل هذه اللغة عاملا مساهما في التنوع اللغوي والثقافي ببلدان المغرب العربي.
وبالموازاة مع تحديد الإسهامات الدائمة والظرفية لهذا التعليم، سنقترح بعض التدابير المساعدة من خلال حضور هادئ ورصين للغة الفرنسية والثقافة الفرنكفونية.
ومن المؤكد أن هذا الدعم لا يمكن أن يكون محفزاً إلا بدوافع وانشغالات مشتركة ينبغي أن يعيها ويعترف بها ويعبر عنها الطرفان معاً. وبقدر ما يستجيب هذا الدعم للاحتياجات الحقيقية للبلد الذي يتم فيه تعليم اللغة الفرنسية، تتحقق مصلحة الفرنكفونية باعتبارها كيانا أو مجموعة تخدم مصالح الدول التي تكونها (على تفاوت فيما بينها).
ملاحظتان عامتان
قد يبرّر هذا الدعم بوجود واقع حرج لا يثير مع ذلك قلقاً مفرطاً ولا تفاؤلاً ساذجاً. وتكشف الملاحظات الملازمة لمواقع اللغة الفرنسية وبالتالي الثقافة الفرنكفونية داخل المغرب العربي ما يلي :
تغير موقع هذه اللغة تبعا للعوامل الداخلية :
ـ عوامل سياسية أو أيديولوجية (رهانات تطوير دور اللغة الفرنسية أو تقليصه والعلاقات الثابتة أو الظرفية القائمة بين البلد المعني وفرنسا أو باقي الشركاء غير الفرنكفونيين المعنيين مباشرة بالاختيارات اللغوية).
ـ عوامل نفعية (الاستعمال المكثف بنسب متفاوتة لهذه اللغة في مجالات محددة) ؛
ـ عوامل تربوية : إن مستوى أداء التلاميذ والطلبة ـ وأحياناً المتكلمين ذوي المعرفة المتوسطة باللغة الفرنسية، قد يختلف في الزمان. ويمكن قياس درجة هذا الاختلاف بمساعدة أدوات لتقييم الأداء اللغوي. ويشكل هذا الاختلاف مؤشراً على هذا التغير الدال على واقع الفرنكفونية داخل البلد المعني.
تغير موقع هذه اللغة تبعا للعوامل الخارجية :
ـ تطور الفرنكفونية في العالم واتساع مدى نشاطها أو تقلصه. ويمكن أن يتوقف هذا التطور على التقدم في الميدان التقني أو العلمي أو في ميدان تكنولوجيا التواصل، أو على توفر وثائق تساعد على الوصول إلى الخبر وإلى التكوين.
ـ وبدرجات أقل، الموقع السياسي والإيديولوجي، خصوصاً لفرنسا في ما يتعلق بالقضايا الدولية.
وتؤثر هذه العوامل الخارجة عن النظام التربوي بشكل غير مباشر في وضعية تعليم اللغة الفرنسية ببلدان المغرب العربي سواء على مستوى إعداد المناهج أو تكوين تصور لدى المتعلمين.
تغير في الاستعمالات الحقيقية للغة الفرنسية :
يرتبط بالاختلافات الجغرافية والاجتماعية والمهنية داخل نفس البلد، فقد تكون لغة أجنبية أو لغة ثانية. وتفسر هذه الاختلافات جزئيا باعتماد "مؤشر القرب (مقياس استعمله ل. دابين لقياس درجة القرب أو البعد مقارنة باللغة الأجنبية) أو درجة التعود.
لذلك فإن السؤال المطروح هو معرفة كيفية ضمان قرب هادئ ومنسجم مع منظور التنوع اللغوي والثقافي.
وسنحاول من خلال هذه المداخلة التركيز على بعض الآفاق المرتبطة بالتكييف اللغوي والعمل التربوي والبحث.
آفاق مرتبطة بالتكييف اللغوي
إن القاعدة الأولى للتكييف اللغوي هي تحديد الأدوار التي تقع على عاتق كل لغة مستعملة، ولا شك أن الارتباط بين اللغة العربية واللغة الفرنسية يمكن من تفادي الصراع اللغوي .وكما أكد رونارد تسند إلى كل لغة وظائف تنسجم مع حقوق الأفراد مثلما تنسجم مع تنمية الجماعة.
ينبغي أن ينظر إلى الفرنسية باعتبارها لغة داعمة أو مساعدة للغة والثقافة المحليتين وليست لغة منافسة، أي كوسيلة للإغناء تمكن اللغة العربية من تأكيد حضورها حتى تكون اللغة الثانية مرسخة بشكل أفضل. وهذا ليس تناقضاً لأن نبذ أو نفي اللغة الأم أو احتقارها قد يضر باللغة التي تحظى بالاستحسان، خاصة إذا نظر إليها على أنها مصدر لهذا الاحتقار أو التهوين.
ويؤكد نغالاسو بخصوص الحقوق اللغوية أن " لكل فرد الحق في العيش وإبراز طاقاته بلغته الأم، وله الحق كذلك في اكتساب اللغة الرسمية أو إحدى اللغات الرسمية لبلده، كما له الحق في أن يتعلم بكل حرية أي لغة أجنبية".
ينبغي إذن تدعيم تقسيم واضح للوظائف بشكل يضمن للغة العربية دورها كأداة للتعبير عن الهوية الوطنية والتنمية المستدامة بعيدا عن كل قرار مرتجل وعاطفي قد يسيء إلى الوظائف الجوهرية للغة العربية. كما يتحتم تشجيع تعليم اللغات الأجنبية خاصة الفرنسية لأسباب مرتبطة بالعامل التاريخي وتوفر المكونين والقرب الثقافي والتأقلم الفوري. وبما أن الصراع التاريخي لم يعد له مكان في هذا العصر فإن التعايش السلمي يدعم حتما تنوعا لغويا وثقافيا خلاقا.
آفاق تربوية
اعتباراً لاتساع هذا الموضوع وغزارة المادة المتعلقة به، فإننا سنقتصر على ذكر بعض مقترحات للعمل، وتتعلق بنظرة التلاميذ إلى اللغة الفرنسية والثقافة الفرنكفونية من جهة، وتباين الأداء اللغوي للمتعلمين من جهة ثانية، وهي ظاهرة ملموسة وبارزة على مستوى تعليم اللغة الفرنسية كلغة ثانية :
ـ التدخل على مستوى نظرة التلاميذ للغة الفرنسية من خلال إبراز الأهمية الوظيفية والثقافية لهذه اللغة في تكاملها مع اللغة العربية مما يجعل اكتساب اللغة الفرنسية أكثر دلالة ( يحيل هذا الاقتراح على مبدأ تربوي ضمني هو إعطاء معنى حقيقي للتعليم المقترح).
ـ استعمال اللغة الفرنسية كوسيلة، وليس الوحيدة ، لإدراك المعارف خاصة في الميادين التي يبقى أداء اللغة العربية فيها أداء قاصرا بكل موضوعية.
ـ جعل المتعلم يدرك أن اللغة الفرنسية يمكن أن تشكل أداة لتطوير اللغة والثقافة الوطنيتين : على سبيل المثال، اقتباس مقاربة من اللغة الفرنسية قد تغني اللغة العربية وتعليمها.
ـ تنويع التدريس بسبب تفاوت مستويات أداء التلاميذ. فنظراً للفروقات المسجلة على صعيد استخدام اللغة الفرنسية ببلدان المغرب العربي، والتي سبقت الإشارة إليها، يمكن أن يتسبب التفاوت في المستويات في تقليص حظوظ الإنصاف في النظام التربوي.
ـ تمكين التلميذ من الاستفادة من وسط ثقافي فرنكفوني خارج الإطار المدرسي بشكل يخرج التعليم من إطار المدرسة (نوادي وأنشطة أنترنيت تشكل أداة للجذب وللتحفيز في التعليم التلقائي للغة الثانية).
ـ تعزيز قيم التسامح والديموقراطية والسلم وفهم الآخر سواء على مستوى مضامين مناهج اللغة الفرنسية أو ممارسات وسلوك المدرسين.
آفاق مرتبطة بالبحث
يمكن تدعيم الأبحاث (الأساسية والتجريبية والأبحاث العلمية) المنجزة بشأن اللغة الفرنسية كلغة ثانية من خلال دراسات مندمجة حول اللغتين العربية والفرنسية أو حول مقارباتها البيداغوجية.
وفيما يلي بعض الخطوات الكفيلة بتدعيم التوجهات الحالية للبحث في هذا الميدان :
* تعزيز الأعمال المنجزة في مراصد اللغة الفرنسية مع عدم الاكتفاء ببيانات رتيبة ودقيقة، قائمة في الغالب على أبحاث ذات وظيفة لغوية صرفة أو مجرد ملاحظات بسيطة عن استعمال اللغة الفرنسية ؛ وتتمثل وظيفة هذه المراصد في :
ـ توفير مرجع لاتخاذ القرارات المتعلقة بالتكييف اللغوي : تحديد الموقع المناسب للغة الفرنسية على ضوء الحقائق الاجتماعية واللغوية المشاهدة والحرص على تحقيق توازن في استعمال اللغات المتوفرة حتى لا تطغى أية لغة على مجالات أو اختصاصات هذه اللغات بحكم القانون أو الواقع.
ـ المساعدة على وضع قواعد مناسبة على مستوى التدابير البيداغوجية للغة الفرنسية (هذه المعطيات ترتبط بالفرضية التي تقضي بأن تعلم أو تعليم لغة أجنبية يستلزم أن يأخذ بعين الاعتبار السياق الاجتماعي والتربوي الذي يتم فيه هذا التعليم أو التعلم). ومن شأن هذا التحليل الاجتماعي ـ اللغوي أن يمهد الطريق أمام مقاربة ديداكتية " تأخذ السياق بعين الاعتبار" كما يدعمها الوعي بالاحتياجات الوظيفية والاجتماعية والدراسية الجديدة للغة الفرنسية ، وربما التصورات المكونة عن هذه اللغة.
ـ تحليل تطور اللغة الفرنسية في الزمان والمكان من أجل تقييم أفضل لهذه الأنشطة سواء على المستوى السياسي أو الديداكتي.
ومن خلال رصد مواز لاستعمال اللغتين، يمكن أن يرفق مرصد اللغة الفرنسية بمقاربة مماثلة عن العامية أو اللغة الفصحى، مما سيبرز تفاعلات اللغتين انطلاقا من مادتين مختلفتين.
ولا يمكن فصل تدعيم مرصد الاستعمالات اللغوية والتصورات المكونة عن اللغة الفرنسية عن تعزيز مرصد موجه لتقييم مستوى المتحدثين باللغة الفرنسية وقدراتهم الحقيقة. وسيتم هذا العمل على غرار ما أنجزه ر.شودنصون داخل المجال الفرنكفوني (لكن ربما مع عينة أصغر مع أخذ توجهها النوعي بعين الاعتبار). ومن شأن هذا العمل تصحيح فرضية أو اعتقاد كون جميع التلاميذ المتمدرسين لهم إلمام باللغة الفرنسية. كما قد يساعد على اعتماد أو توجيه الخيارات الاستراتيجية في ميادين التربية والتكوين في القطاعات النظامية وغير النظامية.
من بين التدابير الأخرى الكفيلة بالنهوض بمكانة اللغة والثقافة الفرنسيين بعيداً عن تهييج المشاعر، تشجيع الدراسات القائمة على منهجية تعليم متقاربة للغتين العربية والفرنسية وهي دراسات يجري إنجازها حالياً بتونس. ويخضع هذا التوجه في البحث للمبدأ الذي يقضي بكون اختيار التدابير المتشابهة الموجهة لنفس المتعلم للغتين تسهل عملية التعليم اللغوي وترفع من وتيرته. وهكذا >يمكن لمدرس اللغة الفرنسية تحسين نوعية تعليمه مع الأخذ بعين الاعتبار الرصيد اللغوي الحقيقي للتلميذ والذي سبق تقعيده باللغة العربية ، بالإضافة إلى تنمية وعي لدى هذا التلميذ بخصوصيات نظام لغوي جديد يختلف عن نظام لغته<.
خاتمة
في سياق لغوي يتميز من ناحية باحتكاك اللغة الأم (العربية والأمازيغية) باللغة الفرنسية وباللغة الإنجليزية بدرجة أقل، وبتقاطع الوظائف من ناحية ثانية، يتوجب على الفرنكفونية أن تكون عاملاً للإغناء وليس مصدرا للتوتر.
إن الفرنكفونية مطالبة من خلال مؤسساتها وهياكلها بالاضطلاع بهذا الدور الأخلاقي باعتبار أنها تمثل القيم التي لا تزال ثابثة وراسخة والتي تتعدى اهتمامات مجال جغرافي أو كيان سياسي معين : إنها شكل من أشكال الوقاية ضد التوحيد أو التنميط السلبية في الغالب. وحسب أنجلين مارتل : >فإنها تؤدي إلى المحافظة على التنوع وغنى الثقافات واللغات وأساليب العيش والهويات الوطنية في عالم يسعى إلى طمس هذا التنوع<.
وخالكم بالكم مع وردة http://www.m5znk.com/uploads/c04c1d7880.gif (http://www.m5znk.com)
إن أي تفكير بشأن موقع لغة أجنبية معينة (اللغة الفرنسية هنا) في بلد معين لا يمكنه إغفال العناصر التالية :
وضعها الاجتماعي والنفسي اللغوي : (وظائف هذه اللغة واستعمالها في الواقع، كيفية تصورها من قبل مستعمليها، واتصالها باللغات القائمة حولها وعلاقاتها باللغة العربية خصوصاً داخل إطار لا تتسم فيه دائماً هذه العلاقات بالتكامل وبالانسجام) .
وضعها التربوي : (حضورها باعتبارها لغة مدَّرسة أو لغة للتدريس والوظائف المنوطة بهذه اللغة والتي تسعى إليها المؤسسة المدرسية أو الجامعية).
وضعها الثقافي : (الأهداف المتوخاة من خلال تعلمها ومدى تفاعل مستعمليها مع المحيط الثقافي لهذه اللغة).
إن هدفنا في هذا المقام ليس مجرد تقديم لمحة عن تعليم اللغة الفرنسية داخل محيط عربي (ويمكن أن تساهم الأبحاث أو الدراسات الموجزة المتوفرة في إغناء هذه اللمحة)، بل وهدفنا يتعدى ذلك للتساؤل عن موقع اللغة الفرنسية في بلدان المغرب العربي (تونس نموذجا) وعن واقع جديد تولد عن تطور ملازم لوضع اللغة الفرنسية ولوضع اللغة العربية أيضاً.
ونحن نبدي هذه الملاحظات من منظور يستشرف الوسائل الكفيلة بدعم فرنكفونية مثرية وخلاقة ومتكاملة مع الثقافة المحلية. وفضلاً عن استعمالات اللغة الفرنسية لأغراض وظيفية مرتبطة باحتياجات تواصلية ومؤسساتية ومدرسية، تشكل هذه اللغة عاملا مساهما في التنوع اللغوي والثقافي ببلدان المغرب العربي.
وبالموازاة مع تحديد الإسهامات الدائمة والظرفية لهذا التعليم، سنقترح بعض التدابير المساعدة من خلال حضور هادئ ورصين للغة الفرنسية والثقافة الفرنكفونية.
ومن المؤكد أن هذا الدعم لا يمكن أن يكون محفزاً إلا بدوافع وانشغالات مشتركة ينبغي أن يعيها ويعترف بها ويعبر عنها الطرفان معاً. وبقدر ما يستجيب هذا الدعم للاحتياجات الحقيقية للبلد الذي يتم فيه تعليم اللغة الفرنسية، تتحقق مصلحة الفرنكفونية باعتبارها كيانا أو مجموعة تخدم مصالح الدول التي تكونها (على تفاوت فيما بينها).
ملاحظتان عامتان
قد يبرّر هذا الدعم بوجود واقع حرج لا يثير مع ذلك قلقاً مفرطاً ولا تفاؤلاً ساذجاً. وتكشف الملاحظات الملازمة لمواقع اللغة الفرنسية وبالتالي الثقافة الفرنكفونية داخل المغرب العربي ما يلي :
تغير موقع هذه اللغة تبعا للعوامل الداخلية :
ـ عوامل سياسية أو أيديولوجية (رهانات تطوير دور اللغة الفرنسية أو تقليصه والعلاقات الثابتة أو الظرفية القائمة بين البلد المعني وفرنسا أو باقي الشركاء غير الفرنكفونيين المعنيين مباشرة بالاختيارات اللغوية).
ـ عوامل نفعية (الاستعمال المكثف بنسب متفاوتة لهذه اللغة في مجالات محددة) ؛
ـ عوامل تربوية : إن مستوى أداء التلاميذ والطلبة ـ وأحياناً المتكلمين ذوي المعرفة المتوسطة باللغة الفرنسية، قد يختلف في الزمان. ويمكن قياس درجة هذا الاختلاف بمساعدة أدوات لتقييم الأداء اللغوي. ويشكل هذا الاختلاف مؤشراً على هذا التغير الدال على واقع الفرنكفونية داخل البلد المعني.
تغير موقع هذه اللغة تبعا للعوامل الخارجية :
ـ تطور الفرنكفونية في العالم واتساع مدى نشاطها أو تقلصه. ويمكن أن يتوقف هذا التطور على التقدم في الميدان التقني أو العلمي أو في ميدان تكنولوجيا التواصل، أو على توفر وثائق تساعد على الوصول إلى الخبر وإلى التكوين.
ـ وبدرجات أقل، الموقع السياسي والإيديولوجي، خصوصاً لفرنسا في ما يتعلق بالقضايا الدولية.
وتؤثر هذه العوامل الخارجة عن النظام التربوي بشكل غير مباشر في وضعية تعليم اللغة الفرنسية ببلدان المغرب العربي سواء على مستوى إعداد المناهج أو تكوين تصور لدى المتعلمين.
تغير في الاستعمالات الحقيقية للغة الفرنسية :
يرتبط بالاختلافات الجغرافية والاجتماعية والمهنية داخل نفس البلد، فقد تكون لغة أجنبية أو لغة ثانية. وتفسر هذه الاختلافات جزئيا باعتماد "مؤشر القرب (مقياس استعمله ل. دابين لقياس درجة القرب أو البعد مقارنة باللغة الأجنبية) أو درجة التعود.
لذلك فإن السؤال المطروح هو معرفة كيفية ضمان قرب هادئ ومنسجم مع منظور التنوع اللغوي والثقافي.
وسنحاول من خلال هذه المداخلة التركيز على بعض الآفاق المرتبطة بالتكييف اللغوي والعمل التربوي والبحث.
آفاق مرتبطة بالتكييف اللغوي
إن القاعدة الأولى للتكييف اللغوي هي تحديد الأدوار التي تقع على عاتق كل لغة مستعملة، ولا شك أن الارتباط بين اللغة العربية واللغة الفرنسية يمكن من تفادي الصراع اللغوي .وكما أكد رونارد تسند إلى كل لغة وظائف تنسجم مع حقوق الأفراد مثلما تنسجم مع تنمية الجماعة.
ينبغي أن ينظر إلى الفرنسية باعتبارها لغة داعمة أو مساعدة للغة والثقافة المحليتين وليست لغة منافسة، أي كوسيلة للإغناء تمكن اللغة العربية من تأكيد حضورها حتى تكون اللغة الثانية مرسخة بشكل أفضل. وهذا ليس تناقضاً لأن نبذ أو نفي اللغة الأم أو احتقارها قد يضر باللغة التي تحظى بالاستحسان، خاصة إذا نظر إليها على أنها مصدر لهذا الاحتقار أو التهوين.
ويؤكد نغالاسو بخصوص الحقوق اللغوية أن " لكل فرد الحق في العيش وإبراز طاقاته بلغته الأم، وله الحق كذلك في اكتساب اللغة الرسمية أو إحدى اللغات الرسمية لبلده، كما له الحق في أن يتعلم بكل حرية أي لغة أجنبية".
ينبغي إذن تدعيم تقسيم واضح للوظائف بشكل يضمن للغة العربية دورها كأداة للتعبير عن الهوية الوطنية والتنمية المستدامة بعيدا عن كل قرار مرتجل وعاطفي قد يسيء إلى الوظائف الجوهرية للغة العربية. كما يتحتم تشجيع تعليم اللغات الأجنبية خاصة الفرنسية لأسباب مرتبطة بالعامل التاريخي وتوفر المكونين والقرب الثقافي والتأقلم الفوري. وبما أن الصراع التاريخي لم يعد له مكان في هذا العصر فإن التعايش السلمي يدعم حتما تنوعا لغويا وثقافيا خلاقا.
آفاق تربوية
اعتباراً لاتساع هذا الموضوع وغزارة المادة المتعلقة به، فإننا سنقتصر على ذكر بعض مقترحات للعمل، وتتعلق بنظرة التلاميذ إلى اللغة الفرنسية والثقافة الفرنكفونية من جهة، وتباين الأداء اللغوي للمتعلمين من جهة ثانية، وهي ظاهرة ملموسة وبارزة على مستوى تعليم اللغة الفرنسية كلغة ثانية :
ـ التدخل على مستوى نظرة التلاميذ للغة الفرنسية من خلال إبراز الأهمية الوظيفية والثقافية لهذه اللغة في تكاملها مع اللغة العربية مما يجعل اكتساب اللغة الفرنسية أكثر دلالة ( يحيل هذا الاقتراح على مبدأ تربوي ضمني هو إعطاء معنى حقيقي للتعليم المقترح).
ـ استعمال اللغة الفرنسية كوسيلة، وليس الوحيدة ، لإدراك المعارف خاصة في الميادين التي يبقى أداء اللغة العربية فيها أداء قاصرا بكل موضوعية.
ـ جعل المتعلم يدرك أن اللغة الفرنسية يمكن أن تشكل أداة لتطوير اللغة والثقافة الوطنيتين : على سبيل المثال، اقتباس مقاربة من اللغة الفرنسية قد تغني اللغة العربية وتعليمها.
ـ تنويع التدريس بسبب تفاوت مستويات أداء التلاميذ. فنظراً للفروقات المسجلة على صعيد استخدام اللغة الفرنسية ببلدان المغرب العربي، والتي سبقت الإشارة إليها، يمكن أن يتسبب التفاوت في المستويات في تقليص حظوظ الإنصاف في النظام التربوي.
ـ تمكين التلميذ من الاستفادة من وسط ثقافي فرنكفوني خارج الإطار المدرسي بشكل يخرج التعليم من إطار المدرسة (نوادي وأنشطة أنترنيت تشكل أداة للجذب وللتحفيز في التعليم التلقائي للغة الثانية).
ـ تعزيز قيم التسامح والديموقراطية والسلم وفهم الآخر سواء على مستوى مضامين مناهج اللغة الفرنسية أو ممارسات وسلوك المدرسين.
آفاق مرتبطة بالبحث
يمكن تدعيم الأبحاث (الأساسية والتجريبية والأبحاث العلمية) المنجزة بشأن اللغة الفرنسية كلغة ثانية من خلال دراسات مندمجة حول اللغتين العربية والفرنسية أو حول مقارباتها البيداغوجية.
وفيما يلي بعض الخطوات الكفيلة بتدعيم التوجهات الحالية للبحث في هذا الميدان :
* تعزيز الأعمال المنجزة في مراصد اللغة الفرنسية مع عدم الاكتفاء ببيانات رتيبة ودقيقة، قائمة في الغالب على أبحاث ذات وظيفة لغوية صرفة أو مجرد ملاحظات بسيطة عن استعمال اللغة الفرنسية ؛ وتتمثل وظيفة هذه المراصد في :
ـ توفير مرجع لاتخاذ القرارات المتعلقة بالتكييف اللغوي : تحديد الموقع المناسب للغة الفرنسية على ضوء الحقائق الاجتماعية واللغوية المشاهدة والحرص على تحقيق توازن في استعمال اللغات المتوفرة حتى لا تطغى أية لغة على مجالات أو اختصاصات هذه اللغات بحكم القانون أو الواقع.
ـ المساعدة على وضع قواعد مناسبة على مستوى التدابير البيداغوجية للغة الفرنسية (هذه المعطيات ترتبط بالفرضية التي تقضي بأن تعلم أو تعليم لغة أجنبية يستلزم أن يأخذ بعين الاعتبار السياق الاجتماعي والتربوي الذي يتم فيه هذا التعليم أو التعلم). ومن شأن هذا التحليل الاجتماعي ـ اللغوي أن يمهد الطريق أمام مقاربة ديداكتية " تأخذ السياق بعين الاعتبار" كما يدعمها الوعي بالاحتياجات الوظيفية والاجتماعية والدراسية الجديدة للغة الفرنسية ، وربما التصورات المكونة عن هذه اللغة.
ـ تحليل تطور اللغة الفرنسية في الزمان والمكان من أجل تقييم أفضل لهذه الأنشطة سواء على المستوى السياسي أو الديداكتي.
ومن خلال رصد مواز لاستعمال اللغتين، يمكن أن يرفق مرصد اللغة الفرنسية بمقاربة مماثلة عن العامية أو اللغة الفصحى، مما سيبرز تفاعلات اللغتين انطلاقا من مادتين مختلفتين.
ولا يمكن فصل تدعيم مرصد الاستعمالات اللغوية والتصورات المكونة عن اللغة الفرنسية عن تعزيز مرصد موجه لتقييم مستوى المتحدثين باللغة الفرنسية وقدراتهم الحقيقة. وسيتم هذا العمل على غرار ما أنجزه ر.شودنصون داخل المجال الفرنكفوني (لكن ربما مع عينة أصغر مع أخذ توجهها النوعي بعين الاعتبار). ومن شأن هذا العمل تصحيح فرضية أو اعتقاد كون جميع التلاميذ المتمدرسين لهم إلمام باللغة الفرنسية. كما قد يساعد على اعتماد أو توجيه الخيارات الاستراتيجية في ميادين التربية والتكوين في القطاعات النظامية وغير النظامية.
من بين التدابير الأخرى الكفيلة بالنهوض بمكانة اللغة والثقافة الفرنسيين بعيداً عن تهييج المشاعر، تشجيع الدراسات القائمة على منهجية تعليم متقاربة للغتين العربية والفرنسية وهي دراسات يجري إنجازها حالياً بتونس. ويخضع هذا التوجه في البحث للمبدأ الذي يقضي بكون اختيار التدابير المتشابهة الموجهة لنفس المتعلم للغتين تسهل عملية التعليم اللغوي وترفع من وتيرته. وهكذا >يمكن لمدرس اللغة الفرنسية تحسين نوعية تعليمه مع الأخذ بعين الاعتبار الرصيد اللغوي الحقيقي للتلميذ والذي سبق تقعيده باللغة العربية ، بالإضافة إلى تنمية وعي لدى هذا التلميذ بخصوصيات نظام لغوي جديد يختلف عن نظام لغته<.
خاتمة
في سياق لغوي يتميز من ناحية باحتكاك اللغة الأم (العربية والأمازيغية) باللغة الفرنسية وباللغة الإنجليزية بدرجة أقل، وبتقاطع الوظائف من ناحية ثانية، يتوجب على الفرنكفونية أن تكون عاملاً للإغناء وليس مصدرا للتوتر.
إن الفرنكفونية مطالبة من خلال مؤسساتها وهياكلها بالاضطلاع بهذا الدور الأخلاقي باعتبار أنها تمثل القيم التي لا تزال ثابثة وراسخة والتي تتعدى اهتمامات مجال جغرافي أو كيان سياسي معين : إنها شكل من أشكال الوقاية ضد التوحيد أو التنميط السلبية في الغالب. وحسب أنجلين مارتل : >فإنها تؤدي إلى المحافظة على التنوع وغنى الثقافات واللغات وأساليب العيش والهويات الوطنية في عالم يسعى إلى طمس هذا التنوع<.
وخالكم بالكم مع وردة http://www.m5znk.com/uploads/c04c1d7880.gif (http://www.m5znk.com)